الشيخ محمد رشيد رضا
228
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
للحق من الزيدية : يجب الجمع بينهما ، ونقل عن الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري ان المكلف مخير بينهما ، وستعلم ان مذهب ابن جرير الجمع اما القائلون بالجمع فأرادوا العمل بالقراءتين معا للاحتياط ولأنه المقدم في التعارض إذا أمكن ، واما القائلون بالتخيير فأجازوا الاخذ بكل منهما على حدته ، وأما القائلون بالمسح فقد اخذوا بقراءة الجر وارجعوا قراءة النصب إليها . وذكر الرازي عن القفال ان هذا قول ابن عباس وانس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر . وقال الحافظ ابن حجر في الفتح عند ذكر مذهب الجمهور : ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف هذا الا عن علي وابن عباس وانس ، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك . واما الجمهور فقد اخذوا بقراءة النصب وارجعوا قراءة الجر إليها ، وأيدوا ذلك بالسنة الصحيحة وإجماع الصحابة ، ويزاد على ذلك أنه هو المنطبق على حكمة الطهارة . وادعى الطحاوي وابن حزم ان المسح منسوخ وعمدة الجمهور في هذا الباب عمل الصدر الأول وما يؤيده من الأحاديث القولية ، وأصحها حديث ابن عمر في الصحيحين قال : تخلف عنا رسول اللّه ( ص ) في سفرة فأدركنا وقد أرهقنا العصر فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا . قال فنادى بأعلى صوته « ويل للأعقاب من النار » مرتين أو ثلاثا . وقد يتجاذب الاستدلال بهذا الحديث الطرفان فللقائلين بالمسح ان يقولوا ان الصحابة كانوا يمسحون فهذا دليل على أن المسح كان هو المعروف عندهم ، وانما أنكر النبي ( ص ) عليهم عدم مسح أعقابهم . وذهب البخاري إلى أن الانكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على غسل بعض الرجل ، ذكره في نيل الأوطار ثم قال : قال الحافظ ( أي ابن حجر ) وهذا ظاهر الرواية المتفق عليها . وفي أفراد مسلم فانتهينا إليهم وأعقابهم بيض تلوح لم يمسها الماء ، فتمسك بهذا من يقول باجزاء المسح ويحمل الانكار على ترك التعميم ، لكن الرواية المتفق عليها أرجح فتحمل عليها هذه الرواية بالتأويل وهو ان معنى قوله لم يمسها الماء أي ماء الغسل جمعا بين الروايتين ، وأصرح من ذلك رواية مسلم عن أبي هريرة ان النبي ( ص ) رأى رجلا لم يغسل عقبه فقال ذلك . اه وهذه واقعة أخرى